Urbanism 21

عمران القرن  21                       

 

 يمثل الحديث عن آثار العصر الصناعي على الحضارة والعمران والمجتمع والفن، بل والقيم والسلوكيات والأخلاق وغيرها.. حديثا ذو شجون وحتما سوف يطول، ولكن الأهم منه هو هل انتهت تلك الحقبة من تاريخ البشرية ؟ وهل مفرداتها وعناصرها ورموزها ما زالت صالحة للحياة الإنسانية في القرن (21) ؟ وما هي تلك المفردات والعناصر والرموز الموروثة من العصر الصناعي ؟ وأي منها سوف يبقى ويحيا، وأي منها سوف يتلاشى ويختفي ؟؟ فالتساؤل الهام الذي يطرح نفسه فى هذا الخضم الهائل من المتغيرات هو : هل هناك "شيئاً ما" سوف يولد مع حضارة القرن (21) كبديل لكل ما هو سائد ؟؟؟ و الإجابة بلا أدنى شك هي أن النموذج العمراني الذي ساد في العصر الصناعي لن يستمر كثيراً بل سيتلاشى ويفنى ويحل محله طورا عمرانياً جديداً وفريداً من نوعه. وإذا كان التركيز العمراني والتكتل العمراني هما أخص خصائص العصر الماضي، فهل سيكون الانتشار العمراني ، والتفكيك العمراني  هما الشكل الجديد لعمران القرن (21) ؟ وهل سيحدث بالفعل ما وصف فى بعض الأدبيات  " بفك اللاصق المكاني لعمران المدينة"  !!!  ... وإذا كان لتلك التصورات أو الفرضيات أن تتحقق "بمشيئة الخالق سبحانه وتعالى"... فهل سيظل البعض من المخططين والمعماريين يعملون بذهنية العصر الصناعي وفكِر القرن الماضي ؟!  اقرأ مقالاتي حول هذه الموضوعات وهى :

·        حصاد الأدب العمراني فى القرن 20.

·        اللغة والعمران: تطور أساليب التواصل المعرفي وأثرها على العمران.

·        بين العصرين : رؤية إستراتيجية للمدينة السعودية فى القرن 21.

·        عمران القرن 21: التحول الحضاري وكتابات المفكرين.

·        حصاد التخطيط العمراني فى القرن 20.

 

  الرؤية والفلسفة الشخصية : تستمد رؤيتنا وفلسفتنا الإنسانية من العقيدة الإسلامية التى تقوم على مبدأ التوحيد  ، فالله سبحانه وحده هو المتفرد بعظمته وأسمائه وصفاته وأفعاله ،  بينما تؤكد العقيدة كذلك على مبدأ ثنائية المخلوقات ، ومثلما يمثل التوحيد الأساس العقائدي للدين الصحيح ، ففكرة الثنائيات فى المخلوقات والأشياء والأفكار تبدو كذلك حقيقة مطلقة وثابتة أيضا ، فمن كل شيء من أجناس الموجودات جميعا خلق الله سبحانه وتعالى نوعين مختلفين ، لكي نؤمن بوحدانية الله و نتذكر قدرته سبحانه وتعالى ونعتبر ، فالخالق واحد بينما  لا تكتمل وحدة المخلوق إلا من خلال نوعه الثاني . وثنائية الموجودات والمخلوقات وفقآ لذلك هي ثنائية ثابتة بل ومطلقة  كما أكد على ذلك القرآن الكريم : (وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) الذاريات 49  و وفقآ لمبدأ أن الواحد المطلق هو الله سبحانه وتعالى ، فالثنائية و الازدواجية والتقابل والتكافؤ و التناظر والتماثل والتضاد وغيرها ،  ما هي إلا صفات تؤكد خاصية النسبية أو نصف الحقيقة لكل المخلوقات والأشياء التى أوجدها الله سبحانه وتعالى بل وتلك التى يصنعها الإنسان فى كل زمان ومكان ، بحيث لا تتحقق وحدتها وتوافقها و اتزانها وسكينتها إلا من خلال تزاوجها وتناغمها وتكاملها مع طرفها الآخر أو بعدها الثاني فى صورة تبادلية إيقاعية مستمرة تشكل جوهر الوجود الإنساني والحياة الدنيا

الرؤية والفلسفة المهنية :إن التخطيط أو التصميم الجيد لأي مكان لا ينبع إلا من خلال الفهم والإدراك العميق لخصوصية هذا المكان وأبعاد تفرده ، وذلك إذا ما نظر المخطط أو المصمم  العمراني للمكان ككائن عضوي له طابعه وطبيعته ، وله ماضيه وحاضره ومستقبله ، وله مزاجه الخاص  ، وسلوكه ، وتوجهاته ، فأي مكان هو محصلة لعدة أبعاد تكسبه خصوصيته وطابعه وتفرده . و البحث حوله أو تخطيطه أو تصميمه هو نوع من " فك الشفرة "، لمعرفة "كلمة السر أو المفتاح". وفهم مزاج أو سلوك أي مكان وتخطيطه و تصميمه وفق تلك الرؤية هو أقرب شبها لمنهج العلاج النفسي  منه لمنهج التحليل النفسي  ، فهو وبالتحديد منهج إبداع وتأليف  لا منهج رصد و وصف و تحليل ، وهو يتطلب من المخطط و المصمم العمراني الفنان ، الغوص فى أعماق النفس لكشف الغطاء و التنقيب عن الدر الكامن و القانون الحاكم من خلال الكثير من الأبعاد والتفاصيل والجزيئات والمعلومات والبيانات . وكمحصلة ، فالتعبير المثالي عن عبقرية المكان وشخصية العمران فى أي عمل عمراني أو معماري سليم ، هو ما ينبع بصورة دائمة من التفاعل مع روحه واستلهام خصوصياته ، وهو نتيجة للعمل الإبداعي العضوي الخلاق ، وهو مالا يبدأ به المخطط أو المصمم العمراني الفنان ، ولا يحاول الوصول إليه ، وإنما ينتهي عنده .